الشيخ محمد رشيد رضا

289

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شرعية يسلم بها من نقد الناقدين وذم المتدينين فلا شك أنه يحمد ذلك العالم ويطريه بأنه العالم التقى المحقق ، لا مكافأة له فقط بل يرى من مصلحته أن يعتفد الناس العلم والصلاح في مفتيه ليأخذوا كلامه بالقبول وقد علمنا من الثقات أن الحكام منذ كانوا يتواطؤن مع كبار شيوخ العلم وشيوخ الطريق المحترمين عند العامة على تعظيم كل فريق منهم للآخر فرؤساء الحكام يظهرون للعامة احترام العلماء والاعتقاد بولاية كبار شيوخ أهل الطريق فيقبلون أيديهم عند اللقاء وربما أهدوا إليهم بعض الهدايا والمشايخ من العلماء وأهل الطريق يظهرون للعامة احترام أولئك الحكام ويشهدون بقوة دينهم وشدة غيرتهم على الاسلام والمسلمين ووجوب طاعتهم في السر والجهر - يقولون - وان ظلموا وجاروا لأنهم مسلطون من اللّه عز وجل ! ! ! فهكذا كان الظالمون المستبدون وما زالوا يستفيدون من الدين بمساعدة رجاله ويتفق الرؤساء من الفريقين على إضاعة حقوق الأمة وإذلالها لهم ليتمتعوا بلذة الرياسة ونعيمها فيفرحون بما أتوا من ضروب المكايد السياسية والاجتماعية ، والتأويلات الدينية ؛ التي ترفع قدرهم ، وتخضع العامة لهم ، ويحبون أن يحمدوا دائما بأنهم أنصار الدين وحماته ، ومبينو الشرع ودعاته ، وإن نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم ، وتوجهوا إلى كتب أمثالهم وأشباههم ، وكانت الأمة لا تزداد كل يوم إلا شقاء بهم ؛ حتى سبقتها الأمم كلها بسوء سياستهم ، ولو أنهم أقاموا الكتاب كما أمروا بالبيان له والعمل به وإلزام الحكام بهديه لما عم الفسق والفجور وصارت الشعوب الاسلامية دون سائر الشعوب حتى ذهبت سلتطها وتقاص ظلها عن أكثر الممالك التي كانت خاضعة لها ؛ وهي تتوقع نزول الخطر بالباقي وهو أقلها ، وقد كان الامراء والسلاطين فمن دونهم من كبراء الحكام هم الذين يخطبون ود العلماء والمتصوفة ويستميلونهم إليهم وهؤلاء يتعززون ، فيستجيب للرقية بعضهم ويعتصم بالاباء والتقوى آخرون ؛ ثم انعكست الحال ، وضعف سلطان التقوى أمام سلطان الجاه والمال ، فصار رجال الدين ، هم الذين يتهافتون على أبواب الأمراء والسلاطين ، فيقرب المنافقون ، ويؤذى المحقون المتقون ، وتكون مراتب الآخرين ، على نسبة قربهم من أحد الطرفين ؛ « تفسير آل عمران » « 19 رابع » « س 3 ج 4 »